الضفة الغربية حالة الطقس

اقتناص الوظائف العليا في دولةٍ يحدُّها حزبٌ واحد

اقتناص الوظائف العليا في دولةٍ يحدُّها حزبٌ واحد

00:26

2020-06-28


بقلم / ماجد العاروري | وكالات

منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية ولغاية اليوم، تم إشغال مئات المناصب والوظائف العليا في دوائر وقطاعاتٍ فلسطينيةٍ مختلفةٍ مثل الوكلاء والسفراء والقضاة ورؤساء الهيئات العامة ومدراء الدوائر الحكومية والمستشارين، وغير ذلك من المناصب العليا.


ينص القانون الأساسي الفلسطيني، أن الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواءٌ لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة"،  وأن "تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص"، لكن على خلاف ذلك، فإن غالبية الوظائف التي يتم إشغالها؛ تتم دون منافسة أو دون معايير محددة للتعيين، أو حتى بإشراف جهة واحدة على التعيين، حيث تتعدد جهات اختصاص التعيين بين مجلس الوزراء والرئاسة وإدارات منظمة التحرير الفلسطينية.

التعيينات تتم على أساس الولاء للشخص المتنفذ، القادر، القريب من موقع صانع قرار التعيين، وبالتالي فإن غالبية التعيينات الأخيرة تمت من  وسط الحزب الحاكم، ونادرًا أن يُعيَّنَ أحدٌ في وظائف عليا من خارج وسط الحزب مهما كانت كفاءته.


في الدول الأخرى الأكثر ديمقراطية، يحدث الصراع على توزيع المناصب والوظائف العليا بين الأحزاب الشريكة في الحكم، وأحيانًا مع المعارضة، ويتم ضبطها من خلال إقرار معايير واضحة تتيح فرصًا متكافئة للجميع؛ على أساس الكفاءة والمهنية. لكن هنا في فلسطين، المسؤول الأكثر قربًا من الرئيس هو صاحب النفوذ الأكبر في التعيينات، وهو القادر على إشغال الوظائف العليا الشاغرة لأتباعه دون أية منافسة أو حتى معايير. يحدث ذلك بهدوء، ولا يحتاج التعيين سوى طلبًا وتوقيعًا ليتم تعيين المرشح للوظيفة العليا، بل إن البعض يتقلدون عدة مناصب عليا في يد واحدة. هكذا تتم حكاية إشغال الوظائف العليا في فلسطين، في دولةٍ حدودُ الحزبِ الحاكم فيها أوسعُ من حدود الدولة، دولةٌ لا أحزاب معارضة حقيقية فيها.


لا تتوقف حكايات التعيين عند هذا الحد، فدرجة اقتراب أصحاب النفوذ من صانع قرارات التعيين ليست ثابتة بل متغيره، تتغير بين فينة وأخرى، فيصبح الأقرب أبعد والأبعد أقرب؛ بفعل سياسات ضرب الإسفين التي يُتقنها اللاعبون السياسيون في الحاشية، وتجعل بين ليلة وضحاها القريب بعيدًا والبعيد قريبًا. ولا تكون نتيجة ضرب الإسفين إبعاد المسؤول القريب إلى دائرة أبعد، بل تبدأ تفتح ملفات المساعدين الذين تبوَّؤا مناصب عليا في الدولة عن طريقه، ويبدأ إقصاؤهم واحدًا تلو الآخر، ولا يوجد ما يضير في أن تكون محاكم العدالة هي بوابة الإقصاء، فهي تؤدي المهمة وتبررها بمنطق القانون.


في الآونة الأخيرة، أُقصَيَ موظفان كبيران من منصبيهما بقرار قضائي مؤقتٍ صدر عن محكمة العدل العليا، واستُكمِلَ إقصاؤُهُما بقرارٍ إداريٍ قبل أن تبت المحكمة بذلك. وفي الأيام القليلة التي تلت، قُدّمت طعونٌ ضد تعيينات قضاة عُينوا منذ عدة سنوات بأن تعييناتهم كانت مخالفة للقانون. إثر ذلك، كتب قاضي المحكمة العليا عزت الراميني على حسابه الشخصي في موقع التواصل "فيسبوك" قائلاً إن "ما يجري في القضاء برفع قضايا على السادة القضاة ربما محاولة لإجهاض السلطه القضائية، لأنها ستطال ما يقارب من ثلاثين قاضيًا أو أكثر دون أية مصلحة مباشرة وشخصية، لأن الغاية من إقامة الدعوى لأجل الدفاع عن مصلحة ذاتية للمستدعي".


في إطار هذه اللعبة، يملك المتنفذون تفاصيل قرارات تعييناتٍ صدرت قبل ست سنوات أو أكثر بأنها غير قانونية، احتفظوا بكل هذه التفاصيل حتى تُستخدم في الوقت المناسب لغاية إقصاء الشخص المعين إن اختلفوا معه، ولم تستخدم في حينه لضمان صحة التعيين. فهذه هي قواعد التعيين في "دولةٍ عريقةٍ" يحدها -كما أشرت سابقًا من الاتجاهات- حزبٌ سياسي، دولة تبدو كانها أصغر من الحزب، لا دولة كل مواطنيها.


ائتلاف النزاهة والشفافية - أمان، أثار مرارًا وتكرارًا قضية التعيينات في الوظائف الكبرى، ودعا الحكومة والرئاسة إلى وقف آليات التعيين المعمول بها حاليًا للمناصب العليا، التي تتنافى ومبادئ القانون الأساسي الذي ينص على التنافس وتكافؤ الفرص. وطالب "أمان"، مجلسَ الوزراء بإقرار بطاقات الوصف الوظيفي للفئات العليا والخاصة، والمصادقة عليها دون تأخيرٍ، وبدء العمل بها، وهي التي أنجزها ديوان الموظفين العام ووضعها على طاولة مجلس الوزراء بهدف السيطرة على هذه الوظائف وتنظيمها وإخضاعها لإشراف ديوان الموظفين العام، للحد من حالات الفساد في إشغال وإدارة هذه الوظائف.


وطالب "أمان"، مجلسَ الوزراء بوضع مشروع قانونٍ أو إعداد نظامٍ لإنشاء "لجنة جودة الحكم في القطاع العام" تنظر في تعيينات المرشحين للوظائف العليا (المدنية منها والأمنية) في القطاع العام.


في النهاية هناك بعض المناصب والوظائف العليا لا يجوز أن يتم اقتناص تعينها اقتناصًا كما هو الحال، فلا بد  أن يتم الإعلان عنها بشكل مسبق، حتى لو كان المرشحون من نفس اللون السياسي، وأن يُتاح للجمهور أن يعبر عن رأيه في المرشحين، وأن يتمكن الإعلاميون أيضًا من التعبير بحريةٍ عن رأيهم في المرشحين قبل تعيينهم، فذلك يزيد من شفافية اختيار بعض المناصب، حتى لو كان ذلك غريبًا عن ثقافة التعيين التي تتم غالبًا بتكتم وتحت جناح الظلام.