الضفة الغربية حالة الطقس

الأجهزة الأمنية الفلسطينية.. أن تحرس إسرائيل وأنت تحمل علم بلادك

الأجهزة الأمنية الفلسطينية.. أن تحرس إسرائيل وأنت تحمل علم بلادك

04:10

2019-02-14

عكس التيار

مقدمة

منذ تشكيلها عام 1994، ظل التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والذي يعد تجسيدًا لبنود اتفاق "أوسلو" (1991) وملاحقه، يثير جدلًا واسعًا في الساحة الفلسطينية لأن تواصله لم يرتبط بإحراز تقدم على مسار حل القضية الفلسطينية؛ إذ كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أبدت تساهلًا في الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، لاسيما تلك المتصلة بالتعاون الأمني، على أمل أن تلتزم هذه الأخيرة بما نصَّت عليه الاتفاقيات من إجراءات سياسية تفضي في النهاية إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، كما كان من المفترض أن يتم نقاش ملفات الوضع النهائي خلال خمس سنوات من اتفاقية أوسلو(1).

وقد أصدرت المؤسسات التشريعية والرقابية التابعة لمنظمة التحرير، التي تعد المرجعية الوطنية للسلطة الفلسطينية، خلال الأعوام الثلاثة الماضية عدة قرارات بوقف التعاون الأمني، تارة ردًّا على رفض إسرائيل الوفاء بالتزاماتها في اتفاقات أوسلو، وتارة أخرى ردًّا على قرار إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها؛ إلى جانب تواتر استطلاعات الرأي العام التي تعكس رفض الجمهور الفلسطيني لمواصلة هذا التعاون.

 وعلى الرغم من قرارات مؤسسات منظمة التحرير واتجاهات الرأي العام الفلسطيني، إلا أن قيادة السلطة الفلسطينية تصر على مواصلة التعاون الأمني مع إسرائيل. إن إدراك الظروف التي تؤثِّر على بلورة موقف قيادة السلطة الفلسطينية إزاء التعاون الأمني مع إسرائيل يتطلب الإحاطة بطابع تأثير الإصلاحات التي أُدخلت على النظام السياسي للسلطة الفلسطينية كجزء من استحقاقات خطة "خارط الطريق"، وانعكاسات الانقسام الداخلي.

تتبع هذه الدراسة المراحل التي مرَّ بها التعاون الأمني بين السلطة وإسرائيل، وترصد أنماط تأثره بالإصلاحات التي أُدخلت على النظام السياسي الفلسطيني ودور الانقسام الداخلي في تحديد اتجاهاته، وتستشرف انعكاسات تواصله على واقع القضية الفلسطينية ومستقبل الصراع.

 "إصلاحات" لمأسسة التعاون الأمني

ألزم اتفاق أوسلو، الذي تم توقيعه عام 1993، واتفاق "طابا"، لعام 1995، السلطة الفلسطينية بمحاربة "الإرهاب" وجعلها مسؤولة عن اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد "الإرهابيين" من خلال التعاون أمنيًّا مع إسرائيل(2).وقد وظَّفت إسرائيل التعاون الأمني لخدمة مصالحها، سيما تقليص فرص المس بأهدافها في الأراضي المحتلة. ومما وفر بيئة لتعزيز دافعية السلطة الفلسطينية للوفاء بالتزاماتها في "أوسلو" وما أعقبه من اتفاقات فرعية، وضمن ذلك التعاون الأمني حقيقة أن كلًّا من إسرائيل والدول المانحة ربطت استمرار العملية التفاوضية وتواصل الدعم الدولي للسلطة بمدى قدرتها على وقف عمليات المقاومة، وضمن ذلك انخراط أجهزة السلطة الأمنية في أنشطة ضد حركات المقاومة بالتنسيق مع الجيش والمخابرات الإسرائيلية(3).

وقد حرصت السلطة الفلسطينية منذ تشكيلها وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى، في أكتوبر/تشرين الأول 2000، على الالتزام بالتعاون الأمني مع إسرائيل، حتى تقلص من المسوغات التي يمكن أن تستند إليها إسرائيل في تسويغ عدم التزامها باستحقاقاتها في الاتفاقات. وفي إطار التعاون الأمني الهادف لاحتواء عمليات المقاومة المسلحة، شنَّت السلطة خلال هذه الفترة حملات اعتقال طالت قادة نشطاء حركات المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس، حيث بلغت ذروتها في شتاء العام 1996، حيث تم اعتقال 2000 من قادة وعناصر الحركة، إلى جانب إغلاق مؤسساتها(4).

وفي أعقاب فشل مؤتمر "كامب ديفيد" الذي جمع، في يوليو/تموز 2000، وفدي منظمة التحرير برئاسة عرفات وإسرائيل برئاسة رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود باراك، في إحراز أي تقدم على صعيد المفاوضات؛ أدركت القيادة الفلسطينية ضرورة تغيير نمط العلاقة مع إسرائيل من أجل تحسين مكانتها في المفاوضات مع إسرائيل؛ حيث ترسخ لدى القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت وعي بضرورة التعامل مع مسار المفاوضات مع إسرائيل بمنطلقات تختلف عن تلك التي كانت تحكم المسار الذي سبق اندلاع هذه الانتفاضة(5).

وقد عمدت قيادة السلطة في ذلك الوقت إلى جباية أثمان من إسرائيل لإقناع قيادتها بإبداء مرونة على مواقفها من الصراع، وذلك عبر توفير بيئة تساعد على تعزيز العمل المقاوم بشقيه، الشعبي والمسلح. وفي إطار هذا التحرك، أسهمت القيادة الفلسطينية في إشعال انتفاضة الأقصى، في 28 سبتمبر/أيلول 2000، -والتي استمرت حتى عام 2005(6)- ما أفضى إلى وقف التعاون الأمني(7).

ومما يدلِّل على التحول في طابع العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل خلال هذه الفترة، فقد باتت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، التي كانت تدير التعاون الأمني مع إسرائيل جزءًا رئيسًا من الفعل المقاوم ضد الاحتلال خلال الانتفاضة(8).

أدركت إسرائيل أن الوقائع قد أثبتت أن مجرد التوقيع على اتفاق أوسلو والاتفاقات الفرعية لم ينجح في إجبار قيادة المنظمة على عدم الربط بين تواصل التعاون الأمني ونتائج المفاوضات مع تل أبيب مما أفضى إلى اندلاع انتفاضة الأقصى، التي تكبدت إسرائيل في أعقابها خسائر فادحة؛ حيث قُتل 1069 جنديًّا ومستوطنًا وجُرح 4500 آخرون، إلى جانب تكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر هائلة(9).

وقد توصلت إسرائيل بقيادة أرييل شارون إلى استخلاص مفاده أنه في ظل وجود ياسر عرفات على رأس القيادة الفلسطينية، فإن اتفاقات "أوسلو" والاتفاقات الفرعية الأخرى لن تصلح لإعادة السلطة إلى مسار التعاون الأمني دون ربط ذلك بعوائد المفاوضات مع تل أبيب؛ مما دفعها للإقدام على تحرك سياسي بالتنسيق مع إدارة بوش الابن، لتقليص تأثير عرفات على عملية صنع القرار في السلطة من خلال إيجاد ظروف تسمح بتعديل القانون الأساسي الفلسطيني وفرض "إصلاحات" هيكلية تضمن مأسسة التعاون الأمني وتفتح الطريق أمام قيادات فلسطينية لا ترى في العمل المقاوم وسيلة للضغط على تل أبيب لإجبارها على تغيير مواقفها من الصراع.

في المقابل، فإن عباس يدافع من ناحية نظرية عن المقاومة الشعبية، أي تلك التي لا تعتمد السلاح، وكرر هذا الموقف في العديد من المناسبات(16). لكنه من ناحية عملية، لم يسمح لحركة "فتح"، التي يقودها، بلعب أي دور جدي للإسهام في تبني المقاومة الشعبية في مواجهة المشروع الاستيطاني وتحدي السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة(17). لا، بل عمدت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة إلى التصدي لأشكال المقاومة الشعبية السلمية وأحبطتها(18).

ومن أجل تعزيز بيئة التعاون الأمني، عمدت الولايات المتحدة لأول مرة إلى لعب دور فاعل في تنظيم ومأسسة التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ففي مارس/آذار، 2005، شكَّلت الولايات المتحدة مجلسًا لتنسيق التعاون الأمني بين السلطة وإسرائيل، بقيادة الجنرال الأميركي، كيث دايتون، الذي تولى شخصيًّا مهمة الإشراف على إعداد وتدريب أجهزة السلطة الأمنية لتحسين قدرتها على إحباط العمليات المسلحة للمقاومة(19).

 لم يعمل دايتون على مأسسة التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة وجعله أكثر جدوى فحسب، بل حرص على أن تسهم دورات التدريب التي أشرف عليها في فرض عقيدة أمنية جديدة على المؤسسة الأمنية في السلطة، بحيث يفضي تشرب منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلك العقيدة إلى "صناعة الفلسطيني الجديد"، الذي يرى في إحباط العمل المقاوم ضد الاحتلال مصلحة وطنية له(20). وقد أقر الجيش الإسرائيلي بدور الإصلاحات على النظام السياسي الفلسطيني في زيادة فاعلية التعاون الأمني وإسهامها في تحسين ظروف المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية(21).

التعاون الأمني بعد الانقسام الداخلي

أسهم تفجر الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي انتهى بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة في يوليو/تموز 2007، وسيطرة "فتح" على الضفة الغربية في توفير بيئة مناسبة لتعزيز التعاون الأمني، حيث إنه منح إسرائيل الفرصة لابتزاز قيادة السلطة وإجبارها على إبداء أكبر قدر من التعاون الأمني، بحجة أن التعاون في مواجهة حركات المقاومة ضرورة لضمان بقاء حكم "فتح" وعدم السماح لحماس بتكرار "نجاحاتها" في الضفة(22).

في الوقت ذاته، فقد أثَّر صعود اليمين للحكم في تل أبيب، عام 2009، على بيئة التعاون الأمني، حيث إن المواقف الأيديولوجية لحكومات نتنياهو الثلاث التي تعاقبت على الحكم منذ ذلك الوقت أسدلت الستار على أية إمكانية لإحراز تقدم على مسار إنجاز تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني؛ عبر تشديدها على رفض الانسحاب من الضفة الغربية وإقامة الدولة الفلسطينية وغيرها من المواقف. وهذا ما جعل تواصل التعاون الأمني غير مرتبط بأي رهانات على عوائد المفاوضات مع إسرائيل.

وتدل التصريحات والمعطيات الرسمية الصادرة عن إسرائيل والسلطة على أن الانقسام الفلسطيني الداخلي أسهم في تحسين العوائد التي تحصل عليها إسرائيل من تعاون السلطة الأمني. وتقر القيادات العسكرية الإسرائيلية بأن أجهزة السلطة الأمنية تزود إسرائيل بمعلومات استخبارية تسهم في تفكيك خلايا المقاومة في الضفة الغربية(23). في حين يرصد تقرير صادر عن مجلة "معرخوت" الناطقة بلسان الجيش الإسرائيلي عوائد التعاون الأمني على النحو التالي(24):


- تقليص الأعباء على الجيش الإسرائيلي مما يسمح له بالتفرغ لإجراء المناورات والتدريبات.
-تحسين البيئة الأمنية في الضفة الغربية بشكل كبير، وضمن ذلك البيئة الأمنية للمستوطنات.

- تمكين إسرائيل من الاستعداد لمواجهة على جبهات أخرى وضمن ذلك نقل القوات إليها.

ويرصد الجدول أدناه، الذي أعده الجيش الإسرائيلي، أوجه ومناشط التعاون مع السلطة الفلسطينية في الأعوام 2009، 2010، و2011، على النحو التالي(25):