الضفة الغربية حالة الطقس

لمن يعمل تلفزيون فلسطين ؟!

لمن يعمل تلفزيون فلسطين ؟!

23:56

2018-08-28

“بعض من قادة الديمقراطية اتخذت الانتهازية استراتيجية، والنفاق أسلوباً، والكذب سلاحاً... وهي في سبات عميق حيال القضية المصيرية لشعبنا في الانتفاضتين والمعارك الدبلوماسية وصفقة القرن”، من كلمات تقرير عرضه تلفزيون فلسطين الرسمي، تضمن صوراً للأمين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة، وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تيسير خالد، ليتعدى مضمون التقرير الاتهامات المجردة، إلى تبنيه “حقائق” يحاول بثها للجمهور.

ففي تقرير بثه تلفزيون فلسطين الرسمي، ونشر على صفحته في موقع فيسبوك في 12 آب، تحت عنوان “فتح: سياسة التشكيك المستمرة للجبهة الديمقراطية لا تخدم الشراكة السياسية والمواقف الوطنية”، هاجم تلفزيون فلسطين الجبهة الديمقراطية على خلفية بيان أصدرته تضمن شروطها للمشاركة في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير، وهي: “المطالبة باجتماع قيادي فلسطيني بحضور رئيس اللجنة التنفيذية، لمناقشة الأوضاع التي تحيط بالقضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، والتوافق على الخطوات العملية التي يتوجب على المجلس المركزي اتخاذها، ومغادرة سياسة إحالة القرارات إلى اللجان، وتعطيلها، وسياسة الرهان على بقايا أوسلو”.



رغم تحويل تلفزيون فلسطين إلى مؤسسة عمومية عام 2010، إلا أن حركة فتح تواصل استغلاله كمنبر لتوجيه الاتهامات للآخر خلال خلافاتها مع الفصائل الفلسطينية، المغيبة تماما عن شاشة التلفزيون، ولا يتاح لها فرصة الرد أو التعبير، ليتحول تلفزيون فلسطين، إلى تلفزيون الحزب الواحد المتمثل بحركة فتح.


الخبير الإعلامي سعيد أبو معلا بين أن التعامل مع تلفزيون فلسطين يجب أن يقوم على أنه تلفزيون عمومي وذلك بناء على قرار صادر عن الرئيس في عام 2010، ما يعني أنه لا يجب أن يكون منصة بيد الحزب الحاكم، ” من هذا المنطلق لا يفترض لتلفزيون فلسطين أن يقدم تغطيات ومعالجات للشأن الداخلي الفلسطيني من منظور حزبي”، مؤكداً على أن ما يسير عليه تلفزيون فلسطين عكس التيار، وخلاف ما رُسم له.

وأضاف، “تلفزيون يعتبر من وسائل إعلام الشعب الفلسطيني التي يتم تشغيلها من أموال الضرائب التي يدفعها الشعب المتنوع بين فتح وحماس وجبهة شعبية وجهاد وجبهة ديمقراطية”، مشيراً إلى أن تغطية تلفزيون فلسطين هي استمرار لنهج قديم وتعسر في فهم التجربة التي المفروض أن يعكسها التلفزيون منذ عام 2010، وهي مسؤولية تقع على المراسلين والعاملين الذين ما زالوا يعتبرون أنفسهم أنهم يعملون لصالح حركة فتح، “يبدو أننا بحاجة لفترة من الزمن حتى يترسخ لدى العاملين في التلفزيون أنهم خدم للشعب الفلسطيني وليسوا خدماً للحزب الحاكم”.

الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الفلسطينية والتي ينطوي تحتها تلفزيون فلسطين، تعرفها الوكالة الرسمية (وفا)  أنها مؤسسة وطنية عامة، تشكل جزءًا أساسيًا وهامًا في البنية الوطنية العامة للمجتمع الفلسطيني، على طريق تلبية حقوقه الأساسية في التحرر والاستقلال وقيام دولته المستقلة على أرض الوطن.

وقد تأسست الهيئة بقرار يحمل رقم(4566) الصادر بتاريخ 6/7/1993 عن الرئيس ياسر عرفات؛ كما وردت مشروعية الحق الفلسطيني في امتلاك محطتي بث إذاعي وتلفزيوني في إحدى بنود اتفاقية أوسلو، وتشير الوكالة الرسمية إلى أن “الهيئة في تنفيذ خدماتها العامة على الديمقراطية، والانفتاح الفكري، والتعددية، وعمق تراث وحضارة الشعب الفلسطيني الأصيلة”.

رئيس تجمّع الشخصيات المستقلة في الضفة المحتلة، خليل عساف أكد على أن التلفزيون بات يتراجع في المعنى الوطني، “هناك تغييب للصوت الآخر الذي لا نسمعه أبداً على تلفزيون فلسطين، فلا نسمع وجهة نظره أو طموحاته وآماله.. لذلك فما نحتاجه هو انهاء الانقسام ليكون لدينا سيادة قانون حقيقة تلزم تلفزيون فلسطين والرئيس ورئيس الوزراء ومسؤول الجهاز الأمني باحترام سيادة القانون بمعنى الكلمة الذي لا يمارس إلا على الضعفاء والبسطاء”.




تحليل مضمون: اتهامات مباشرة و تغييب متعمد


وعرض التقرير الذي بثه تلفزيون فلسطين صوراً ثابتة متتالية للقياديين في الجبهة الديمقراطية نايف حواتمة وتيسير خالد، استغرق عرض كل صورة 10 ثوان، تخللها اتهامات بالكذب والنفاق والتنكر للنضال الفلسطيني، تليها فيديوهات سابقة للرئيس الفلسطيني محمود عباس يتزامن معها الثناء والمديح وتعداد إنجازات الرئيس عباس لمدة تجاوزت 20 ثانية، وكان قد افتتح التقرير أيضاً بالحديث عن الاعترافات بدولة فلسطين كونها إحدى إنجازات عباس.  

“صوت من المقام العالي، ومعجم لغة الشجاعة والتحدي الرصين، صوته سمعه البعيد قبل القريب” يبرز التقرير الرئيس الفلسطيني خلال عرض فيديوهات من مشاركته في اجتماعات دولية، لينتقل إلى الطرف الآخر – الجبهة الديمقراطية – متابعاً اتهاماته، “إلا من يشغل نفسه بالمناصب واستمرار اختطاف دائرة المغتربين في منظمة التحرير بإدارة فاشلة بائسة لأكثر من 15 عاما، لم تزد الغربة إلا غربة، وتفرقة لثلث شعبنا في المنافي”.

التقرير الذي تضمن اتهامات متواصلة للجبهة الديمقراطية لم يقتصر على قاداتها فقط، بل تبعها عرض مسيرة لعناصر الجبهة الديمقراطية، رافقها عبارة، “هي حالة الاضمحلال والتلاشي لبعض من قادة الجبهة الديمقراطية وتكلسهم لأكثر من 40 عاماً على كراسيهم في غرق عميق من غياهب النسيان مع استمرار فهمهم المغلوط للواقع (..)”.

المحاضرة والأكاديمية في جامعة بيرزيت وداد البرغوثي علقت بـ ، “ما يمارسه تلفزيون فلسطين وما يُمارس فيه هو تكريس لحزب السلطة على الأحزاب والكل الفلسطيني.. وهو أمر مرفوض لأنه بات لا يمثل الكل الفلسطيني إذا واصل تغطيته كما هي”.


وأكدت على أن تلفزيون فلسطين ليس مؤسسة عمومية كما ينص القرار الصادر عام 2010، “تلفزيون فلسطين أبعد ما يكون عن رفع شعار الوحدة الوطنية الذي يتغنى بها دائما، هو مكرس لسياسية التفرقة وإقصاء الآخرين ما عدا حزب السلطة، وهو بات دليلا لعدم مصداقية ما يقوله”.

فيما بين عساف أن التلفزيون فلسطين يجب أن يكون تلفزيون الكل الفلسطيني، الناطق باسم كل فلسطيني مهما كان انتمائه، “يجب أن يكون تلفزيون الأسرى والشهداء وعائلاتهم، وتلفزيون المناضلين، وتلفزيون الشعب.. فهو من المفترض أنه يمثل السيادة الوطنية الفلسطينية، ولكن للأسف وبعد الانقسام تم تجير كل شيء ضد الآخر، ليصبح لدينا إعلام موجه وحزبي”.

وأضاف، “تلفزيون فلسطين تقدم في نوعية التغطية من ناحية لوجستية، ولكنه تراجع في العمومية واتجه إلى الخصوصية.. وبات واضح أنه إعلام حركة فتح، إعلام الرئيس، وإعلام السلطة، وإعلام للمتنفذين”.

استمرار مهاجمة حركة حماس


ليست المرة الأولى التي يستغل تلفزيون فلسطين في التحريض على الأحزاب والفصائل الفلسطينية المعارضة لنهج السلطة الفلسطينية، وقد بدأ التلفزيون بسياسته هذه عام 2006 تزامناً مع الانقسام الفلسطيني، ما ساهم في تكريسه.

وقد بث تلفزيون فلسطين قبل ثلاثة أسابيع تقريراً تحت عنوان “تفاقم الأوضاع السياسية والمعيشية منذ انقلاب حماس على الشرعية في قطاع غزة”، هاجم به حركة حماس التي وصفها بـ “الانقلاب الأسود”، وموجهاً للحركة اتهامات مباشرة، “انقلاب جعل الجوع سيد الموقف، والحصار عنوان المرحلة، والكهرباء تضيء تحت الأرض بدل فوقها، والأنفاق قبور الأحياء، والحدود ساحات للموت”.

ففي الوقت الذي بث التقرير صوراً لعناصر ملثمة تطلق النار في إشارة إلى حركة حماس، وصوراً أخرى من مسيرات العودة الكبرى في إشارة إلى أن حماس تورط الشارع بالمشاركة، أبرزت صوراً للرئيس محمود عباس رافقها، “لو قدر لطموحات القيادة الفلسطينية أن تستمر لكانت غزة سيدة مدن فلسطين”.


وسبق أن هاجم تلفزيون فلسطين عبر عدة تقارير وتغطيات بثها الجبهة الشعبية، والتي كان آخرها خلال تغطيته انعقاد المجلس الوطني والذي أعلنت الجبهة الشعبية مقاطعته.

أبو معلا بين أن تغطيات التلفزيون كلها مجيرة لصالح الحزب الحاكم المتمثل بحركة فتح وضد الأحزاب والفصائل الفلسطينية وهو ما يظهر بشكل واضح عند اشتداد المنافسة أو الخلاف السياسي، “حتى خلال المصالحة الفلسطينية، لم ينعكس ذلك على تغطية التلفزيون وواصل في نهجه.. رغم أن القانون يؤكد أن تلفزيون فلسطين ليس تلفزيون فتح وليس تلفزيون السلطة الحاكمة”.

وأوضح أن التقارير التي تحتوي مقاربة تحليلية منحازة لحركة فتح أو السلطة تفتقر للمهنية وتحول الآراء إلى حقائق دون نسبها إلى مصادر، “بعض التقارير التي تم بثها تلفزيون فلسطين في الفترة الماضية، أصبحت أشبه بمقال رأي رديء يحمل وجهات نظر لا تستند إلى حقائق ودون أن تلجأ لأبسط معايير المهنية”.

وترى المحاضرة وداد البرغوثي أنه من الضرورة أن تقوم الأحزاب والمؤسسات برفع صوتهم والوقوف أمام ما يمارس بتلفزيون فلسطين باسم الكل على الرغم أنه لا يمثل أحد، “يجب أن يرفع الصوت أمام هذه الممارسات العصبوية والإقصائية ومحاولة شق الصفوف والتفرد بالموقف السياسي والتفرد بالمال العام والتصرف به”.


وكالات